ابن قيم الجوزية

455

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وهؤلاء أعمى الخلق بصائر ، وأجهلهم باللّه وأحكامه الدينية والكونية . فإن الطاعة هي موافقة الأمر . لا موافقة القدر والمشيئة . ولو كانت موافقة القدر طاعة للّه لكان إبليس من أعظم المطيعين للّه . وكان قوم نوح وعاد وثمود ، وقوم لوط ، وقوم فرعون كلهم مطيعين له . فيكون قد عذبهم أشد العذاب على طاعته ، وانتقم منهم لأجلها . وهذا غاية الجهل باللّه وأسمائه وصفاته وأفعاله . فإن قلت : ومع ذلك ، فاجمع لي بين الندم والتوبة . وبين مشهد القيومية والحكمة ؟ قلت : العبد إذا شهد عجز نفسه ، ونفوذ الأقدار فيه ، وكمال فقره إلى ربه ، وعدم استغنائه عن عصمته وحفظه طرفة عين - كان باللّه في هذه الحال ، لا بنفسه . فوقوع الذنب منه لا يتأتى في هذه الحال البتة . فإن عليه حصنا حصينا من : « فبي يسمع ، وبي يبصر ، وبي يبطش ، وبي يمشي » فلا يتصور منه الذنب في هذه الحال ، فإذا حجب عن هذا المشهد ، وسقط إلى وجوده الطبيعي ، وبقي بنفسه : استولى عليه حكم النفس والطبع والهوى ، وهذا الوجود الطبيعي قد نصبت فيه الشباك والأشراك ، وأرسلت عليه الصيادون . فلا بد أن يقع في شبكة من تلك الشباك ، وشرك من تلك الأشراك ، وهذا الوجود هو حجاب بينه وبين ربه . فعند ذلك يقع الحجاب ، ويقوى المقتضى ، ويضعف المانع ، وتشتد الظلمة ، وتضعف القوى ، فأنّى له بالخلاص من تلك الأشراك والشباك ؟ فإذا انقشع ضباب ذلك الوجود الطبيعي ، وانجاب ظلامه ، وزال قتامه ، وصرت بربك ذاهبا عن نفسك وطبعك : بدا لك سرّ طال عنك اكتتامه * ولاح صباح كنت أنت ظلامه فإن غبت عنه حلّ فيه وطنّبت * على منكب الكشف المصون خيامه فأنت حجاب القلب عن سرّ غيبه * ولولاك لم يطبع عليه ختامه وجاء حديث لا يملّ سماعه * شهيّ إلينا نثره ونظامه إذا ذكرته النفس زال عناؤها * وزال عن القلب المعنّى قتامه فهنالك يحضره الندم والتوبة والإنابة . فإنه كان في المعصية بنفسه ، محجوبا فيها عن ربه ، وعن طاعته . فلما فارق ذلك الوجود ، وصار في وجود آخر : بقي بربه لا بنفسه . وإذا عرف هذا ، فالتوبة والندم يكونان في هذا الوجود الذي هو فيه بربه . وذلك لا ينافي مشهد الحكمة والقيومية ، بل يجامعه ويستمد منه . وباللّه التوفيق . * * * قوله : « ويصح بثلاثة شرائط . باستواء الحالات عند العبد ، وسقوط الخصومة مع الخلق ، والخلاص من المسألة والإلحاح » . يعني : أن الرضى عن اللّه إنما يتحقق بهذه الأمور الثلاثة . فإن الراضي الموافق تستوي عنده الحالات - من النعمة والبلية - في رضاه بحسن اختيار اللّه له . وليس المراد استواؤها عنده في ملاءمته ومنافرته . فإن هذا خلاف الطبع البشري ، بل خلاف الطبع الحيواني .